ابن أبي الحديد

32

شرح نهج البلاغة

حتى إذا كانوا بالعقيق ( 1 ) وأنا بحيث أراهم وأتأملهم ركبوا الإبل وجنبوا الخيل ، فقلت : إنه الظعن إلى بلادهم ، ثم وقفوا وقفة بالعقيق ، وتشاوروا في دخول المدينة ، فقال لهم صفوان ابن أمية : قد أصبتم القوم ، فانصرفوا ولا تدخلوا عليهم وأنتم كالون ، ولكم الظفر ، فإنكم لا تدرون ما يغشاكم ، فقد وليتم يوم بدر ، لا والله ما تبعوكم وكان الظفر لهم . فيقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نهاهم صفوان . فلما رآهم سعد على تلك الحال منطلقين وقد دخلوا في المكمن رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالمنكسر فقال : وجه القوم يا رسول الله إلى مكة ، امتطوا الإبل وجنبوا الخيل . فقال : ما تقول ؟ قلت : ما قلت يا رسول الله ، فخلا بي فقال : أحقا ما تقول ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال : فما بالي رأيتك منكسرا ؟ فقلت : كرهت أن آتي المسلمين فرحا بقفولهم إلى بلادهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن سعدا لمجرب . قال الواقدي : وقد روي خلاف هذا ، روي أن سعدا لما رجع رفع صوته بأن جنبوا الخيل ، وامتطوا الإبل ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى سعد : خفض صوتك فإن الحرب خدعة ، فلا ترى الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم ، فإنما ردهم الله تعالى . قال الواقدي : وحدثني ابن أبي سبرة ، عن يحيى بن شبل ، عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص : إن رأيت القوم يريدون المدينة فأخبرني فيما بيني وبينك ، ولا تفت في أعضاد المسلمين ، فذهب فرآهم قد امتطوا الإبل ، فرجع ، فما ملك أن جعل يصيح سرورا بانصرافهم . قال الواقدي : وقيل لعمرو بن العاص : كيف كان افتراق المسلمين والمشركين يوم

--> ( 1 ) العقيق : موضع بالمدينة فيه عيون ونخيل . ( ياقوت ) .